فصل: تفسير الآية رقم (117):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: محاسن التأويل



.تفسير الآية رقم (113):

القول في تأويل قوله تعالى: {قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} [113].
{قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا} أي: آمنا. لكنا نريد الأكل منها من غير مشقة تشغلنا عن عبادة الله تعالى: {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} أي: فلا تعتريها شبهة لا يؤمن من وردها، لولا مثل هذه الآية. فإن انضمام علم المشاهدة إلى العلم الاستدلاليّ مما يوجب قوة اليقين: {وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا} أي: في دعوى النبوة، وفيما تعدنا من نعيم الجنة، مع أنها سماوية: {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} أي: فنشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل، ليزداد المؤمنون منهم بشهادتنا طمأنينة ويقيناً. ويؤمن بسببها كفارهم. أو من الشاهدين للعين دون السامعين للخبر.
ثم لما رأى أن لهم غرضاً صحيحاً في ذلك. لا يقلعون عنه، أزمع على استدعائها واستنزالها. روى ابن أبي حاتم، أنه توضأ واغتسل ودخل مصلاه، فصلى ما شاء الله. فلما قضى صلاته قام مستقبل القبلة. وصفّ قدميه، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره وغض بصره وطأطأ برأسه، خشوعاً. ثم أرسل عينيه بالبكاء فما زالت دموعه تسيل على خديه، وتقطر من أطراف لحيته، حتى ابتلت الأرض حيال وجهه، من خشوعه. فعند ذلك دعا الله تعالى فقال: اللهمّ! ربنا. كما قال تعالى:

.تفسير الآية رقم (114):

القول في تأويل قوله تعالى: {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [114].
{قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا} أي: يا الله المطلوب لكل مهمّ، الجامع للكمالات، الذي ربانا بها. ناداه سبحانه وتعالى مرتين بوصف الألوهية والربوبية، إظهاراً لغاية التضرع ومبالغة في الاستدعاء: {أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ}. أي: التي فيها ما تعدنا من نعيم الجنة: {تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} أي: يكون يوم نزولها عيداً نعظمه ونسرّ به، نحن الذين يدركونها. ومن بعدنا الذين يسمعونها فيتقوّون في دينهم. والعيد العائد. مشتق من العود لعوده في كل عام بالفرح والسرور. وكل ما عاد عليك في وقت فهو عيد، قال الأعشى:
فوا كبدي من لاعج الحب والهوى ** إذا اعتاد قلبي من أميمةَ عيدُها

كذا في العناية.
وفي القاموس العيد بالكسر، ما اعتادك من هم أو مرض أو حَزْن أو نحوه. وكل يوم فيه جمع: {وَآيَةً مِنْكَ} أي: على كمال قدرتك وصدق وعدك وتصديقك إياي: {وَارْزُقْنَا} أي: أعطنا ما سألناك: {وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} أي: خير من يرزق. لأنه خالق الرزق ومعطيه بلا عوض.

.تفسير الآية رقم (115):

القول في تأويل قوله تعالى: {قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ الْعَالَمِينَ} [115].
{قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} إجابة لدعوتكم: {فَمَنْ يَكْفُرْ} أي: بي وبرسولي: {بَعْدُ} أي: بعد تنزيلها، المفيد للعلم الضروريّ بي وبرسولي: {مِنْكُمْ} أيها المنعمون بها: {فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ} أي: من عالّمي زمانهم. أو من العالمين جميعاً.
روى ابن جرير بسنده إلى قتادة قال: كان الحسن يقول: لما قيل لهم: {فَمَن بَعْدُْْ يَكْفُر مِنْكُمْ} إلخ قالوا: لا حاجة لنا فيها، فلم تنزل.
روى منصور بن زادان عن الحسن أيضاً. أنه قال، في المائدة: أنها لم تنزل.
وروى ابن أبي حاتم وابن جرير عن ليث بن أبي سُلَيم عن مجاهد قال: هو مَثَلٌ ضربه الله ولم ينزل شيء. أي: مثل ضربه الله لخلقه. نهياً لهم عن مسألة الآيات لأنبيائه. قال الحافظ ابن كثير: وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن. وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى. وليس هو في كتابهم. ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما يتوفر الدواعي على نقله. وكان يكون موجوداً في كتبهم متواتراً، ولا أقل من الآحاد والله أعلم.
ثم قال: ولكن الجمهور أنها نزلت. وهو الذي اختاره ابن جرير. قال: لأن الله تعالى أخبر بنزولها في قوله تعالى: {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} ووعد الله ووعيده حق وصدق.
وهذا القول هو، والله أعلم الصواب. كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم.
ومن الآثار ما أخرجه الترمذي عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد. فخانوا وادخروا ورفعوا لغد. فمسخوا قردة وخنازير. قال الترمذيّ: وقد روي عن عمار، من طريقٍ، موقوفاً وهو أصح.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب عن ابن عباس، أن عيسى ابن مريم قالوا له: ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء. قال فنزلت الملائكة بالمائدة يحملونها. عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة. فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم.
وق ساق ابن كثير آثار في نزولها لا تخلوا عن غربة ونكارة في سياقها، كما لا يخفى.
روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: «قالت قريش للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهباً ونؤمن بك. قال: وتفعلون؟ قالوا: نعم: قال فدعاه، فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهباً، فمن كفر بعد ذلك منهم عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين. وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. قال: بل باب التوبة والرحمة».
ورواه الحاكم في مستدركه وابن مردويه.

.تفسير الآية رقم (116):

القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} [116].
{وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} اعلم أنا بينا أن الغرض من قوله تعالى للرسل: {مَاذَا أَجَبْتُمُ} توبيخ من تمرد من أممهم. وأشد الأمم افتقار إلى التوبيخ والملامة النصارى. الذي يزعمون أنهم أتباع عيسى عليه السلام. لأن طعن سائر الأمم كان مقصوراً على الأنبياء. وطعن هؤلاء الملحدة تعدى إلى جلال الله وكبريائه، حيث وصفوه بما لا يليق أن يوصف مقامه به، وهو اتخاذ الزوجة والولد. فلا جرم، ذكر تعالى أنه يعدد أنواع نعمه على عيسى بحضرة الرسل واحدة فواحدة. إشعار بعبوديته، فإن كل واحدة من تلك النعم المعدودة عليه، تدل على أنه عبد وليس بإله، ثم أتبع ذلك باستفهامه لينطق بإقراره، عليه السلام، على رؤوس الأشهاد، بالعبودية، وأمره لهم بعبادة الله عز وجل. إكذاباً لهم في افترائهم عليه، وتثبيتاً للحجة على قومه، فهذا سر سؤاله تعالى له، مع علمه بأنه لم يقل ذلك. وكل ذلك لتنبيه النصارى الذين كانوا في وقت نزول الآية ومن تأثرهم، على قبح مقالتهم وركاكة مذهبهم واعتقادهم.
تنبيهات:
الأول: روي عن قتادة: أن هذا القول يكون يوم القيامة لقوله تعالى: {هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ}. وقال السدّي: هذا الخطاب والجواب. في الدنيا وصوّبه ابن جرير، قال: وكان ذلك حين رفعه إلى السماء. واحتج ابن جرير على ذلك بوجهين: أحدهما: أن الكلام بلفظ المضيّ.
والثاني قوله: {إِن تُعَذِّبْهُمْ} {وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ}.
قال الحافظ ابن كثير: وهذان الدليلان فيهما نظر. لأن كثيراً من أمور يوم القيامة ذكر بلفظ المضيّ ليدل على الوقوع والثبوت. ومعنى قوله: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} الآية: التبرؤ منهم وردّ المشيئة فيهم إلى الله تعالى. وتعليق ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه. كما في نظائر ذلك من الآيات. فالذي قاله قتادة وغيره هو الأظْهَرُ. فالله أعلم أنّ ذلك كائن يوم القيامة، ليدلّ على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد.. وقد روي بذلك حديث مرفوع، رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد الله مولى عُمَر بن عبد العزيز، وكان ثقة قال: سمعت أبا بردة يحدث عُمَر بن عبد العزيز عن أبيه، أبي موسى الأشعري. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة دعي الأنبياء وأُمَمهم. ثم يدعى بعيسى فيذكره الله نعمته عليه فيقرّ بها فيقول: {يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ} الآية، ثم يقول: {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ} فينكر أن يكون قال ذلك، فيؤتى بالنصارى فيُسْأَلون فيقولون: نعم هو أمرنا بذلك! قال: فيطول شَعْر عيسى عليه السلام. فيأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده فيجاثيهم بين يدي الله عز وجل مقدار ألف عام حتى ترفع عليهم الحجة ويرفع لهم الصليب وينطلق بهم إلى النار!».
قال ابن كثير: وهذا حديث غريب عزيز!
الثاني: إيثار قوله تعالى: {أُمِّيَ} على: {مَرْيَمَ} توبيخ للمتخذين، على توبيخ، أي: مع أنك بشر تلد وتولد قبل هذا.
الثالث: توهم بعضهم أن كلمة {من دون الله} تفيد أن النصارى يعتقدون أن عيسى وأمه، عليهما السلام. مستقلان باستحقاق العبادة، بدلاً عن الله تعالى. كما يقال: اتخذت فلاناً صديقاً دوني. فإن معناه أنه استبدله به. لا أنه جعله صديقاً معه. وهم لم يقولوا بذلك. بل ثلّثوا. فأجاب: بإن من أشرك مع الله غيره فقد نفاه معنى. لأنه وحده لا شريك له، منزه عن ذلك. فإقراره بالله كلا إقرار. فيكون: {مِّن دُونِ اللّهِ} مجازاً عن مَعَ اللهِ. ولا يخفى أن هذا تكلف. لأن توبيخهم إنا يحصل بما يعتقدونه ويعترفون به صريحاً لا بما يلزمه بضرب من التأويل. فالصواب أن المراد اتخاذهما بطريق إشراكهما به سبحانه. كما في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً} [البقرة: 165]. وقوله عز وجل: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ}- إلى قوله تعالى-: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18]. إذ به يتأتى التوبيخ، ويتسنى التقريع والتبكيت. هذا ما حققوه هنا.
وأقول: إن كلمة {دون} في هذه الآية وأمثالها بمعنى غير كما حققه اللغويون. ولا تفيد، وضعا، الاستقلال والبدلية، كما توهم وسر ذكرها إفهام الشركة. لأنه لولاها لتوهم دعوى انحصار الألوهية فيما عداه. مع أنهم لا يعتقدون ذلك. ولا يفهم من نحو: اتَّخَذْتَ صَدِيقاً مِنْ دُونِي الاستبدال. فذاك من قرينة خارجية. وإلا فالمثال لا يعنيه. لجواز إرادة اتخاذه معه كما لا يخفي. فتبصر: {قَالَ سُبْحَانَكَ} أي: أنزهك تنزيهاً لائقاً بك من أن يقال هذا ويُنطق به: {مَا يَكُونُ لِي} أي: ما يتصور مني بعد إذ بعثتني لهداية الخلق: {أَنْ أَقُولَ} أي: في حق نفسي: {مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} أي: ما استقر في قلوب العقلاء عدم استحقاقي له مما يضلهم: {إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} استئناف مقرر لعدم صدور القول المذكور عنه عليه السلام، بالطريق البرهاني. فإن صدوره عنه مستلزم لعلمه تعالى به قطعاً. فحيث انتفى علمه تعالى به، انتفى صدره عنه حتماً. ضرورة. أن عدم اللازم مستلزم لعدم الملزوم. قاله أبو السعود: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي} استئناف جار مجرى التعليل لما قبله. كأنه قيل: لأنك تعلم ما أخفيه في نفسي. فكيف بما أعلنه؟ وقوله تعالى: {وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} بيان للواقع، وإظهار لقصوره. أي: ولا أعلم ما تخفيه من معلوماتك. أفاده أبو السعود: {إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ}.

.تفسير الآية رقم (117):

القول في تأويل قوله تعالى: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [117].
{مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ} أي: ما أمرتُهم إلا بما أمرتني به. وإنما قيل: {مَا قُلْتُ لَهُمْ} نزولاً على قضية حسن الأدب، ومراعاة لما ورد في الاستفهام. وقوله تعالى: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} تفسير للمأمور به: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ} أي: رقيباً أراعي أحوالهم وأحملهم على العمل بموجب أمرك، ويتأتى لي نهيهم عما أشاهده فيهم مما لا ينبغي: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} أي: بالرفع إلى السماء. كما في قوله تعالى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَي} [آل عِمْرَان: 55]. والتوفي: أخذ الشيء وافياً. والموت نوع منه. قال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: 42]. وسبق في قوله تعالى: {يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} في آل عِمْرَان زيادة إيضاح على ما هنا. فتذكر: {كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} أي: الناظر لأعمالهم. فمنعتَ من أردت عصمته من التفوّه بذلك. وخذلت من خذلت من الضالين، فقالوا ما قالوا: {وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} اعتراض تذييليّ مقرر لما قبله. وفيه إيذان بأنه تعالى كان هو الشهيد على الكل، حين كونِهِ عليه السلام فيما بينهم. تنبيه:
دلت الآية على أن الأنبياء، بعد استيفاء أجلهم الدنيويّ، ونقلهم إلى البرزخ لا يعلمون أعمال أمتهم. وقد روى البخاري هنا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس! إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلاً. ثم قال: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} إلى آخر الآية، ثم قال: ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيام إبراهيم. ألا وإنه يُجاء برجال من أمتي فيُأخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب! أصيحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح: {وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم».

.تفسير الآية رقم (118):

القول في تأويل قوله تعالى: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [118].
{إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} قال الحافظ ابن كثير: هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله عزّ وجلّ. فإنه الفعال لما يشاء: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]. ويتضمن التبرؤ من النصارى الذين كذبوا على الله ورسوله. وجعلوا لله ندّاً وصاحبة وولداً. تعالى الله عما يقولون علوّاً كبيراً. انتهى.
أي: إن تعذبهم فإنك تعذب عبادك. ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل بملكه. وفيه تنبيه على أنهم استحقوا ذلك لأنهم عبادك وقد عبدوا غيرك. وإن تغفر لهم فلا عجز ولا استقباح. لأنك القادر القوي على الثواب والعقاب. الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب. فإن المغفرة مستحسنة لكل مجرم. فإن عذبت فعدل، وإن غفرت ففضل. وعدم غفران الشرك مقتضى الوعيد. فلا امتناع فيه لذاته، ليمتنع الترديد والتعليق بـ: {إِن}. أفاده البيضاوي.
يعني أن المغفرة، وإن كانت قطعية الانتفاء بحسب الوجود، لكنها لما كانت بحسب العقل، تحتمل الوقوع واللاوقوع، استعمل فيها كلمة {إن} فسقط ما يتوهم أن تعذيبهم، مع أنه قطعيّ الوجود، كيف استعمل فيه {إن} وعدم وقوع العفو بحكم النص والاجتماع.
وفي كتب الكلام: إن غفران الشرك جائز عقلاً عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة. لأن العقاب حق الله على المذنب، وليس في إسقاطه مضرة.
وبالجملة: فليس قوله تعالى: {إِن تَغْفِرْ لَهُمْ} تعريضاً بسؤاله العفو عنهم. وإنما هو لإظهار قدرته على ما يريد، وعلى مقتضى حكمه وحكمته. ولذا قال: إنك أنت العزيز الحكيم، تنبيهاً على أنه لا امتناع لأحد عن عزته، فلا اعتراض في حكمه وحكمته.
قال الرازي: قال قوم: لو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم، أشعر ذلك بكونه شفيعاً لهم. فلما قال فإنك أنت العزيز الحكيم، دل ذلك على أن غرضه تفويض الأمر بالكلية إلى الله تعالى، وترك التعرض لهذا الباب من جميع الوجوه.
وفي العناية ما ملخصه: أن ما ظنه بعضهم من أن مقتضى الظاهر: {الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} بدل: {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} كما وقع في مصحف عبد الله بن مسعود- فقد غاب عنه سر المقام. لأنه ظن تعلقه بالشرط الثاني فقط، لكونه جوابه. وليس كما توهم. بل هو متعلق بهما. ومن له الفعل والترك عزيز حكيم. فهذا أنسب وأدق وأليق بالمقام،أو هو متعلق بالثاني، وإنه احترس، لأن ترك عقاب الجاني قد يكون لعجز ينافي القدرة، أو لإهمالٍ ينافي الحكمة. فبيّن أن ثوابه وعقابه مع القدرة التامة والحكمة البالغة.
تنبيه:
قال الحافظ ابن كثير: هذه الآية لها شأن عظيم ونبأ عجيب. وقد ورد في الحديث أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قام بها ليلة إلى الصباح يرددها.
روى الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: صلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ذات ليلة.
فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} فلما أصبح يركع قلت: يا رسول! لم تزل تقرأ هذه الآية حتى أصبحت. تركع بها وتسجد بها؟ قال: «إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي، فأعطانيها. وهي نائلة، إن شاء الله، لمن لا يشرك بالله شيئاً». وأخرجه النسائي أيضاً.
وروى الإمام أحمد أيضاً عن أبي ذر قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي في صلاة العشاء. فصلى بالقوم ثم تخلف أصحاب له يصلون. فلما رأى قيامهم وتخلفهم انصرف إلى رحله. فلما رأى القوم قد أخلوا المكان رجع إلى مكانه فصلى. فجئت فقمت خلفه فأومأ إليّ بيمينه، فقمت عن يمينه. ثم جاء ابن مسعود فقام خلفي. وخلفه، فأومأ إليه بشماله فقام عن شماله. فقمنا ثلاثتنا يصلي كل واحد منا بنفسه، ونتلو من القرآن ما شاء الله أن نتلو. وقام بآية من القرآن يرددها، حتى صلى الغداة. فلما أصبحنا أومأت إلى عبد الله بن مسعود. أن سله ما أراد إلى ما صنع البارحة؟ فقال ابن مسعود: لا أسأله عن شيء حتى يُحْدث إليّ، فقلت: بأبي وأمي! قمت بآية من القرآن ومعك القرآن. لو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه. قال: دعوت لأمتي.
قلت: فماذا أجبت؟ أو ماذا رد عليك؟ قال أجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم طلعة، تركوا الصلاة.
قلت: أفلا أبشر الناس، قال: بلى. فانطلقت مُعْنِقاً قريباً من قذفةٍ بحجر. فقال عمر: يا رسول الله؟ إنك إن تبعث بهذا نكلوا عن العبادة. فناداه أن ارجع. فرجع.
وتلك الآية: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
وروى الإمام مسلم عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عزّ وجلّ في إبراهيم: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} [إبراهيم: 36].
وقول عيسى: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. فرفع يديه وقال: اللهم! أمتي أمتي. وبكى. فقال الله تعالى: يا جبريل! اذهب إلى محمد. وربك أعلم، فاسأله: ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، وهو أعلم. فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك.
ثم ختم تعالى حكاية ما حكى مما يقع يوم يجمع الله الرسل، عليهم الصلاة والسلام، مع الإشارة إلى نتيجة ذلك ومآله بقوله تعالى: